فتوى بشأن حكم (القيام في المولد عند ذكر وضع أمه له ﷺ)

بسم الله الرحمن الرحيم

فتوى بشأن حكم (القيام في المولد عند ذكر وضع أمه له ﷺ)

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فقد كثر السؤال عن الحكم الشرعي التكليفي لنهوض الحاضرين في مجلس سرد المولد النبوي الشريف وقوفًا على الأقدام عند ذكر وضع أمه له ﷺ مدة ليست بالقصيرة والقارئ يقرأ المولد والواقفون يصلون على النبي ﷺ، فنقول وبالله تعالى التوفيق:
أولًا- الأقوال في المسألة:
اختلف العلماء المتأخرون في حكم هذا القيام على عدة أقوال:
القول الأول- الوجوب، وجازف بالذهاب إليه بعض الحنفية كأبي السعود العمادي (ت:982هـ) وبالغ حتى قال بكفر تاركه إن أشعر بتحقير النبي ﷺ.
القول الثاني- الاستحباب، وذهب إليه من الحنفية أحمد رضا خان (ت:1340هـ) والحيدرآبادي (ت:1343هـ)، وعبدالله عبدالرحمن سراج (ت:1368هـ)، ومن المالكية محمد عليش (ت:1299هـ) وعبدالرحيم السيوطي (ت:1342هـ) ومحمد علي بن حسين المكي (ت:1287هـ)، ومن الشافعية حسن المدابغي (ت:1170هـ) ونووي جاوي (ت:1316هـ) كما في كتاب [ترغيب المشتاقين: ص17] وأحمد زيني دحلان (ت:1304هـ) وبكري شطا (ت:1310هـ).
القول الثالث- المنع المتردد بين الكراهة والتحريم، وذهب إليه من الحنفية أبو الحسنات اللكنوي (ت:1304هـ)، ومن المالكية محمد العابد المري الفاسي (ت:1359هـ) ومحمود خطاب السبكي (ت:1352هـ) والحجوي الثعالبي (ت:1376هـ)، ومن الشافعية محمد بن يوسف الصالحي (ت:942هـ)، وعلي الشبراملسي (ت:1087هـ) فيما نقله عنه نووي جاوي في كتاب [مدارج الصعود: ص21].
القول الرابع- التفصيل بين العوام والخواص، وهو المختار، وذهب إليه ابن حجر الهيتمي (ت:972هـ) فأباحه للعوام وكرهه للخواص، ونسب الشبراملسي فعله للشمس الرملي (ت:1004هـ) لعذر كما سيأتي.
ثانيًا- أدلة المجيزين:
وجملة ما استدل به المجيزون- حسب اطلاعنا- ثلاثة أمور:
الأول- سيدنا النبي ﷺ حاضر عند ذكر ولادته ﷺ (صغرى)، وكل فاضل حاضر يستحب القيام له (كبرى)، فينتج: استحباب القيام لسيد الفضلاء ﷺ عند ذكر ولادته.
أما (الصغرى) فمن قول البرزنجي في مولده المنظوم:
وقد سنَّ أهلُ العلمِ والفضل والتقى قيامًا على الأقدام معْ حُسنِ إمعانِ
بتشخيصِ ذاتِ المصطفى وهو حاضرٌ بأي مقامٍ فيه يذكر بل داني
وأما (الكبرى) فمعتمد مذهب السادة الشافعية، وصنف فيها النووي كتاب “الترخيص بالقيام”.
ويجاب عن (الصغرى) باستحالة حضوره ﷺ بذاته الشريفة في كل مولد؛ لامتناع وجود الجوهر الواحد في مكانين معًا في حالة واحدة، وفسر بعض شراح النظم البيت الثاني بأن يمثل نفسه كأنه يرى النبي ﷺ بعينيه وهو حاضر في ذلك المجلس، ويجاب عن هذا التفسير بأن علة استحباب القيام هي رؤية الفاضل الحاضر بالعين في الخارج وليس في الذهن.
الثاني- إن الإمام تقي الدين السبكي قد قام عند ذكر ولادة المصطفى ﷺ (صغرى)، وكل مجتهد يجوز تقليده (كبرى)، فينتج: يجوز تقليد الإمام تقي الدين السبكي في قيامه عند ذكر ولادة المصطفى ﷺ.
ويجاب عن (الصغرى) بأنه قد قام عند ذكر اسمه الشريف ﷺ لا عند ذكر ولادته، ولم يكن قيامه في احتفال للمولد، وأن قيامه كان اضطراريًا؛ لحال اعتراه، لا كسبيًا.
ويجاب عن (الكبرى) بعدم تسليم اجتهاده، فإن سلمنا أنه مجتهد، فلا نسلم أن كل مجتهد يجوز تقليده، كما أن الفعل محتمل ولا عموم له.
قال ولده تاج الدين السبكي في “طبقات الشافعية الكبرى” (ج10:ص208) ((وَحضر مرّة ختمة بالجامع الْأمَوِي وَحَضَرت الْقُضَاة وأعيان الْبَلَد بَين يَدَيْهِ وَهُوَ جَالس فِي محراب الصَّحَابَة فَأَنْشد المنشد قصيدة الصرصري (ت:656هـ) الَّتِي أَولهَا (قَلِيل لمدح الْمُصْطَفى الْخط بِالذَّهَب …)، فَلَمَّا قَالَ: (وَأَن ينْهض الْأَشْرَاف عِنْد سَمَاعه = قيامًا صفوفًا أو جثيًا على الركب) حصلت للشَّيْخ الإِمَام حَالَة وَقَامَ وَاقِفًا للْحَال فَاحْتَاجَ النَّاس كلهم أَن يقومُوا فَقَامُوا أَجْمَعُونَ وحصلت سَاعَة طيبَة)).
الثالث- إن القيام عند ذكر وضعه الشريف مشعر بتعظيمه ومحبته (صغرى)، وكل ما كان مشعرًا بتعظيمه ومحبته فهو مطلوب (واجب أو مستحب) (كبرى)، فينتج: أن القيام عند ذكر وضعه الشريف مطلوب.
ويجاب عن (الصغرى) بمنع التلازم الشرعي بين )القيام( وبين )الإشعار بتعظيمه ومحبته عند ذكر وضعه الشريف)، بمعنى أننا أمام صورة مركبة من عدة أمور لا دليل على أن اجتماعها مطلوب:
 فلم خصصنا القيام بكونه مشعرًا بتعظيمه ﷺ عند ذكر وضعه الشريف ولم نخصص وضع اليد على الرأس أو القلب- مثلًا- بذلك؟
 ولم خصصنا القيام بكونه مشعرًا بتعظيمه ﷺ عند ذكر وضعه الشريف في مجلس الاحتفاء بالمولد فقط؟ فقد ذُكِرَ الوضع الشريف لبعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الكتاب والسنة ولم يأمر النبي ﷺ أصحابه  بالقيام، كقوله تعالى: {فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ} [مريم:23]، وكقوله ﷺ: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ» [أخرجه مسلم]، بل إن الصحابة الكرام لم يكونوا يقومون لسيدنا النبي ﷺ عند رؤية ذاته الشريفة، فقد أخرج أحمد والترمذي عن أنس بن مالك أنه قال: (لم يَكُن شَخصٌ أحبَّ إليهِم مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ، وَكانوا إذا رأَوهُ لم يَقوموا لما يعلَمونَ من كَراهِيتِهِ لذلِكَ)، وفي هذا الحديث الصحيح رد على المجازفين القائلين بوجوب القيام فضًلا عن كفر تاركه، وإلا فيلزم تأثيم سادتنا الصحابة وتكفيرهم والعياذ بالله.
ثالثًا- أدلة المانعين:
أما المانعون فيرون أن هذا القيام بدعة مكروهة؛ لأنه لا يندرج تحت أصل شرعي معتبر، وفندوا أدلة المجيزين كما تقدم.
وأبرز ما تمسك به المانعون كلام ابن حجر الهيتمي الشافعي حيث قال في “الفتاوى الحديثية” بعد كلام له: ((فدل على أن فعله ﷺ وأفعالهم إنما كان لسبب وقد زال، وحينئذٍ ففعل ذلك الآن بدعةٌ لا ينبغي ارتكابها؛ لإيهام العامة ندبها. ونظير ذلك: فعل كثير عند ذكر مولده ﷺ ووضع أمه له من القيام، وهو أيضًا بدعة لم يرد فيه شيء؛ على أن الناس إنما يفعلون ذلك تعظيمًا له ﷺ، فالعوام معذورون لذلك، بخلاف الخواص)).
ونقل الأشموني الشافعي في حواشيه على الفتاوى الحديثية للهيتمي [مخطوط: ص102] تعليق شيخه علي الشبراملسي: ((قوله: “بخلاف الخواص” أي: لأنهم لا يفعلون إلا ما ورد عنه، إلا إذا فعله دفعًا لما يقال فيه: إنه متكبر، أو أن تعظيم الرسول غير مطلوب، فينبغي فعله الآن، ولذلك فعله الشيخ محمد الرملي على ما قيل انتهى ع ش)).
ويُستفاد من مجموع كلام ابن حجر الهيتمي والشبراملسي ما يأتي:
• يباح القيام لعوام الناس؛ لعذرهم بالجهل.
• يكره القيام لخواص الناس كالعلماء وطلاب العلم.
• يرخص القيام للواحد من الخواص إذا غلب على ظنه أنه سيتهم بالتكبر إذا ترك القيام، أو إذا غلب على ظنه توهم العوام أن تعظيم سيدنا محمدًا ﷺ غير مطلوب؛ لأن العوام يقتدون بالخواص.
• قيام الشمس الرملي كان رخصة- وليس عزيمة- لدفع أحد الأمرين المذكورين، ونَقْلُه بصيغة تمريض يُشْعِر بضعفه.
رابعًا- الخلاصة:
1. لا تلازم بين “ترك القيام” وبين “ترك تعظيم النبي ﷺ”؛ لأن التعظيم أمر قلبي، فقد يكون “ترك القيام” لكسل أو خوف أو تقليد لمن يرى كراهة القيام لأهل الفضل كما نُسب إلى الإمام مالك.
2. قد يستحب “ترك القيام” ممن يُقتدى به؛ لدفع مجازفة القول بوجوب القيام، فضلًا عن كفر تاركه.
3. المسألة- كما رأيت- فرعية ظنية خلافية، فلا يُنكر فيها على المخالف، والله أعلم.

***

والحمدلله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

5 ربيع الأول 1447، يوافقه 28 أغسطس 2025

(قسم البحث والإفتاء في المرتعة العلمية)

اترك تعليقاً