استعمال مكبرات الصوت الخارجية للمساجد لغير النداء للصلاة

بسم الله الرحمن الرحيم

فتوى بشأن حكم (استعمال مكبرات الصوت الخارجية للمساجد لغير النداء للصلاة)

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

فقد وردنا السؤال الآتي: (ما حكم استعمال مكبرات الصوت الخارجية للمساجد لغير النداء للصلاة؟)، فنقول وبالله تعالى التوفيق:

المقدمة الصغرى:

استعمال مكبرات الصوت الخارجية للمساجد لغير النداء للصلاة- كاستعمالها في نقل الصلوات الخمس، والخطب كخطبة الجمعة والعيدين والكسوفين، وصلاة التراويح، والأدعية، والوعظ، والدروس والمحاضرات، والأناشيد، وما شابه ذلك-؛ فيها إيذاء وتشويش محقق على المسلمين.

المقدمة الكبرى:

وكل ما كان فيه إيذاء وتشويش محقق على المسلمين فهو حرام.

ينتج: استعمال مكبرات الصوت الخارجية للمساجد- لغير النداء للصلاة- حرام.

دليل المقدمة الصغرى:

المشاهدة. فاستعمال تلك المكبرات فيه تشويش على مصلي المساجد الأخرى، وعلى المصلين في بيوتهم، وعلى من يقرأ القرآن الكريم، وعلى الطلاب لاسيما في أوقات الاختبارات، وفيه إيذاء للمرضى، وكبار السن، وأهل الأعذار من المسلمين المتخلفين عن الجمع والجماعات، وهذا مما لا يختلف فيه اثنان.

دليل المقدمة الكبرى:

في “المنهج القويم” للإمام ابن حجر الهيتمي مع عبارة الشيخ بافضل وحاشية الترمسي مع تصرف:

(((ويحرم) على كل أحد (الجهر) في الصلاة وخارجها (إن شوش على غيره) من نحو مصل، أو قارئ، أو نائم، أو طائف، أو مشتغل بمطالعة علم، أو تدريسه، أو تصنيفه؛ للضرر، ويرجع لقول المتَشوِّش ولو فاسقًا؛ لأنه لا يُعرف إلا منه، وما ذكره الشيخ بافضل من حرمة الجهر عند التشويش ظاهر من حيث المدرك وهو قوله ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار»، وقد سبقه إليه ابن العماد الأقفهسي، لكن ينافيه كلام الإمام النووي في المجموع والفتاوى فإنه كالصريح في عدم الحرمة، بل الذي فيه الكراهة فقط إلا أن يجمع بين ما ذكره الشيخ بافضل وما في المجموع والفتاوى بحمله على ما إذا خاف التشويش، أي: وما ذكره الشيخ بافضل على ما إذا اشتد، وعبارة ابن حجر في الإيعاب: ((ينبغي حمل قول المجموع (وإن آذى جاره) على إيذاء خفيف لا يتسامح به، بخلاف جهر يعطله عن القراءة بالكلية؛ فينبغي حرمته)).

وفي فتاوى الإمام ابن حجر الهيتمي [ج٣:ص٢٤١]: ((وَلِمَنْ اشْتَغَلَ بِتَدْرِيسٍ أَوْ مُطَالَعَةٍ فَقَرَأَ آخَرُ بِجَنْبِهِ أَوْ ذَكَرَ بِحَيْثُ شَوَّشَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِخَفْضِ الصَّوْتِ، فَإِنْ امْتَثَلَ أَمْرَهُ بِذَلِكَ فَلَهُ مَزِيدُ الثَّوَابِ، وَإِلَّا فَلَهُ رَفْعُهُ إلَى الْحَاكِمِ -وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى- لِيَأْمُرَ بِالسُّكُوتِ، فَإِنْ أَبَى أَخْرَجَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الزَّرْكَشِيّ يَجُوزُ إخْرَاجُ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَقَدْ أَكَلَ نَحْوَ ثُومٍ أَوْ بَصَلٍ أَوْ كُرَّاثٍ، أَيْ: أَوْ فُجْلٍ فَإِنَّهُ مِثْلُهَا كَمَا فِي حَدِيثٍ وَجَرَى عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ فَإِذَا جَازَ إخْرَاجُ مَنْ هَذِهِ حَالُهُ فَلْيَجُزْ إخْرَاجُ مَنْ يُشَوِّشُ بِقِرَاءَتِهِ أَوْ ذِكْرِهِ عَلَى الْمُشْتَغِلِينَ بِالْعِلْمِ مِنْ بَابِ أَوْلَى، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ)).

وفي حاشية شيخ الإسلام الباجوري [ج١:ص٦٤٩]: ((ويحرم الجهر عند من يتأذى به، واعتمد بعضهم أنه يكره فقط، ولعله محمول على ما إذا لم يتحقق التأذي))، ونقل عبارته مقرًا لها تلميذه الشيخ الشرواني في حاشيته على تحفة المحتاج [ج٢:ص٥٧].

وفي حاشية إعانة الطالبين للسيد أبي بكر شطا الشافعي [ج١:ص٢٢٥-٢٢٦]: ((ويكره رفع الصوت فيه (أي: المسجد) ومحله ما لم يشوش على المصلين، وإلا حرم)).

تنبيه: يكفي لإسماع المأمومين الذين يصلون خارج المسجد انتقالات الإمام استعمال مكبر صغير بحيث لا يتجاوز صوته إلى غير المأمومين.


[صياغة دليل حرمة استعمال مكبرات الصوت الخارجية للمساجد- لغير النداء للصلاة- على شكل قياس أولوي].

الأصل (المقيس عليه): الجهر- وهو رفع الصوت بحيث يُسمع الجاهر غيره- في المسجد من مصل، أو قارئ، أو ذاكر.

ويشهد لهذا الأصل (المقيس عليه) ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قَالَ: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ فَسَمِعَهُمْ يَجْهَرُونَ بِالْقِرَاءَةِ فَكَشَفَ السِّتْرَ، وَقَالَ: «أَلَا إِنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ فَلَا يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلَا يَرْفَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ، أَوْ قَالَ: فِي الصَّلَاةِ» [أخرجه أبو داود].

قال العلامة بن رسلان في “شرح سنن أبي داود” [ج٦:ص٥١٥]: ((وفيه إنكار رفع الصوت في المسجد ولو بالقراءة إذا كان فيه تشويش على مصل آخر أو قارئ آخر، فإنه مكروه)).

الفرع (المقيس): تكبير الصوت أضعافًا مضاعفة عن الجهر بحيث يسمع من هم في المسجد ومن هم خارج المسجد إلى مئات الأمتار.

العلة: التشويش، ووجودها في الفرع أولى من وجودها في الأصل؛ لأن التشويش على القريب الداخل بإرادته إلى المسجد حرام، فيكون من باب أولى حرامًا على البعيد الذي لم يأت إلى المسجد لعذر غالبًا.

بمعنى آخر: أنه لما كان التشويش عند الاستماع حرام فهو عند الإسماع القهري أشد حرمة.

الحكم: الحرمة عند تحقق التشويش، والكراهة عند ظنها.


مذهب الحنفية:

قال العلامة ابن عابدين في رسالة [تنبيه ذوي الأفهام على أحكام التبليغ خلف الإمام: ج١: ص١٤٤] ما نصه: ((ومن ذلك – أي: من البدع- رفع الصوت زيادة على قدر الحاجة، بل قد يكون المقتدون قليلين يكتفون بصوت الإمام فيرفع المبلغ صوته حتى يسمعه من هو خارج المسجد، وقد صرح في السراج بأن الإمام إذا جهر فوق حاجة الناس فقد أساء. انتهى، فكيف بمن لا حاجة إليه أصلًا)).

مذهب المالكية:

جاء في حاشية العلامة الدسوقي المالكي على الشرح الكبير [ج٤:ص٧١]: ((وَمَحَلُّ كَرَاهَةِ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ مَا لَمْ يَخْلِطْ عَلَى مُصَلٍّ، وَإِلا حَرُمَ)).

مذهب الحنابلة:

في “مطالب أولي النهى شرح غاية المنتهى” للشيخ الرحيباني [ج١:ص٥٩٧]:

(((وَكُرِهَ رَفْعُ صَوْتٍ بِقِرَاءَةِ تُغَلِّطُ الْمُصَلِّينَ) لِاشْتِغَالِهِمْ. (وَيَتَّجِهُ التَّحْرِيمُ): أَيْ: تَحْرِيمُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِقِرَاءَةٍ تُغَلِّطُ الْمُصَلِّينَ (لِلْإِيذَاءِ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَيْسَ لَهُمْ الْقِرَاءَةُ إذَنْ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ)).

***

(قسم البحث والإفتاء في المرتعة العلمية)

اترك تعليقاً